الشنقيطي
12
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
وفي هذه الآية التصريح بأن جميع ما في الأرض مخلوق قبل خلق السماء لأنه قال فيها : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [ البقرة : 29 ] الآية . وقد مكثت زمنا طويلا أفكر في حل هذا الإشكال ، حتى هداني اللّه إليه ذات يوم ففهمته من القرآن العظيم ، وإيضاحه أن هذا الإشكال مرفوع من وجهين ، كل منهما تدل عليه آية من القرآن : الأول : أن المراد بخلق ما في الأرض جميعا قبل خلق السماء : الخلق اللغوي الذي هو التقدير لا الخلق بالفعل الذي هو الإبراز من العدم إلى الوجود والعرب تسمي التقدير خلقا ومنه قول زهير : ولأنت تفري ما خلقت وبع * ض القوم يخلق ثم لا يفري والدليل على أن المراد بهذا الخلق التقدير ، أنه تعالى نص على ذلك في سورة فصلت حيث قال : وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [ فصلت : 10 ] ثم قال : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [ فصلت : 11 ] الآية . الوجه الثاني : أنه لما خلق الأرض غير مدحوة ، وهي أصل لكل ما فيها كان كل ما فيها كأنه خلق بالفعل لوجود أصله فعلا . والدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق الخلق على الفرع ، وإن لم يكن موجودا بالفعل . قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ [ الأعراف : 11 ] الآية . فقوله خلقناكم ثم صورناكم أي بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم الذي هو أصلكم . وجمع بعض العلماء بأن معنى قوله : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [ النازعات : 30 ] ، أي مع ذلك ، فلفظة بعد بمعنى مع ، ونظيره قوله تعالى : عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [ القلم : 13 ] . وعليه فلا إشكال في الآية ، ويستأنس لهذا القول بالقراءة الشاذة . وبها قرأ مجاهد : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ، وجمع بعضهم بأوجه ضعيفة لأنها مبنية على أن خلق السماء قبل الأرض ، وهو خلاف التحقيق منها أن « ثم » بمعنى الواو . ومنها أنها للترتيب الذكرى كقوله تعالى : ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [ البلد : 17 ] الآية . قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [ 29 ] الآية .